الاثنين، 25 أغسطس، 2008

موعد مع القدر






..صعد الي القطار دون حتي ان يهتم الي اي بقعه يشد رحاله ..

, الجو يميل للبروده .. وقد حملت نسمات خريفيه بارده رعده خفيفه لجسده مع ارتدائه تلك الملابس الصيفيه الخفيفه ...القطار يكاد يخلو من الركاب , وقد اخذ يتجول في طرقات القطار كأنه يبحث عن شئ ما, وحقيقة هو لم يكن يبحث عن مكان يجلس فيه بل عن رفيق له في تلك الرحله الطويله ربما تمكن من خلال الفضفضه اليه ان يفرغ كل تلك المشاعر السلبيه التي تضطرم في صدره والتي ترواده بين حين واخر دون ان يعرف لها سبب فاحيانا تكون لديه رغبه ملحه ان يتحدث بلا اي قيود او تحفظ لشخص لا يعرفه ولا تربطه به اي صله ..

اخذ يتفحص الوجوه القليله الموجوده في العربه حتي استوقفته ملامحها الرقيقه فهي تتمتع بجمال هادئ ساحر يذكرك ببطلات الحكايات القديمه وقد كانت منهمكه في قراءة روايه بدا من عنوانها طابع الرومانسيه ...

هل تسمح لي ان اجلس هنا ان لم يكن يضايقك

وجه سؤاله اليها وهو يشير للمقعد المقابل لها

جفلت لكلماته وقد رفعت نظرها عن الكتاب وقد التمعت في عينيها العسليتان علامات الدهشه ثم تجولت بنظراتها في ارجاء العربه التي تكاد تكون نصف مقاعدها خاليه تماما وكأنها تستنكر طلبه ..

مرت دقيقه من الصمت لم تجد بعدها امام الحاحه الصامت مفر ان تأذن له في الجلوس

تفضل

قالتها ونظراتها تغادره عائدة ثانيه لصفحات الروايه

مرت الدقائق ثقيله عليه وهو يبحث عبثا عن طريقه يتمكن من خلالها التقاط طرف خيط لدفع هذا الصمت والسأم الذي يلفهما

لفت نظره اسم تلك الروايه التي تتصفحها " موعد مع القدر" لتنبت عن شفتيه ابتسامه ساخره , فاسم الروايه ذكره بكلاسيكات الافلام المصريه وبعض تلك الروايات التي كان يقرأها في مرحلة المراهقه عندما كان قلبه مازال يتلعثم في ابجديات الحب ,وهو يختلس الوقت اثناء تصفح احدي تلك الروايات بينما المسجل يصدع باغاني كاظم الساهر وماجده الرومي وعقله يرسم ملامح رومانسيه لفتاة احلامه وهو يتجسدها فيمن عرفهم من فتيات

هل تستهويك قراءة الروايات الرومانسيه

سالها في محاولة منه لقطع هذا الصمت

لكنها اكتفت في ردها بايماءه قليله من راسها دون حتي ان تنظر اليه..

ضايقه لامبالاتها به كثيرا مما جعله يقرر اثارتها فقال في رنه تفيض بالسخريه ..

انا ايضا كنت كنت اقرأ تلك الروايات في السابق لكني توقفت عن قراءة مثل هذا الهراء منذ فتره طويله

التفتت اليه وقد علت ملامحها تعابير الدهشه والغيظ لاسلوب رده العدائي الساخر..

ولكنها ايضا ظلت محتفظه بصمتها ..

حاول ان يخفف من حدة كلماته , فاردف في حديثه موضحا..

انا اقصد ان تلك الروايات تفيض بالخيال الذي لا يوجد له اي ظل في الواقع او اشبه بصنع عالم من الاحلام تجعل القارئ ينفصل عن واقعه الملموس

لم يعجبها هجومه علي تلك النوعيه المفضله لديها في القراءه , فردت مدافعه..

ان تلك الروايات تصور مشاعر انسانيه نبيله لا يمكن ان يشعر الانسان بمعني السعاده ان افتقدها في حياته ..

يبدو انكي فهمتي ما قصدته بطريقه خاطئه , قال موضحا ..ثم اردف .. اقصد ان تلك الروايات تقدم انماط للحياه وقصص خياليه لم تعد موجوده في واقعنا ..

انا لا اتفق مع ما تقول علي الاطلاق , فكثيرا من تلك القصص موجود ومقتبس بالفعل من الحياه ..

اسمحي لي ان اسالك قبلا , عما تدور تلك الروايه التي كنتي تقرأيها الان ..قال مستفسرا

باغتها سؤاله لكنها اضطرت ان تحكيها له فقالت

هي تحكي عن فتاه صماء تتعرف علي شاب عن طريق المحادثه عبر الشبكه العنكبوتيه دون ان يعرف حقيقة مرضها.. ويتطور بينهما العلاقه ليشعر كليهما بمشاعرخاصه تجاه الاخر فتضطر ان تصارحه بمرضها, مما يجعله يلح عليها ان يتقابلا مؤكدا علي تمسكه بها وانه يحبها بالفعل , لكنها تقرر ان تبتعد نهائيا عنه خشية ان يكون اعلانها بحبه هذا مجرد وهم نتج عن مشاعر من العطف والشفقة عليها

لقد توقفت عند هذا الجزء من الروايه في القراءه قالت وهي تعاود تصفح الروايه

يمكنني ان اقول لكي كيف تنتهي الروايه , فسوف يتقابلا ثانية وتنتهي النهايه السعيده المعتاده غير الواقعيه بان يقترنا ببعضهما .. قالها وقد بدت في كلماته رنة سخريه

هل انت تراها غير واقعيه ومستبعدة الحدوث

بالتاكيد .. قال في حزم ..ثم اردف مسهبا في حديثه..

فبداية اري ان مشاعره تلك مجرد مشاعر تعود وارتياح يشعر بها كل منهما تجاه الاخر وليست مشاعر حب حقيقيه ساعد علي تأججها شعور بالعطف والشفقه نما داخله بعد ان عرف بحقيقة مرضها ورفضه ان يبدو امام نفسه بمظهر النذل الذي تخلي عنها ,... وحتي لو افترضنا جدلا انه يحبها حقا , فاؤكد لكي , ان مع مرور الوقت واصطدام كليهما بالواقع الصعب سيتبدد الحب وتبقي مشاعر الشفقه والعطف فقط

الا تري ان رايك يحمل كثيرا من القسوه علي الفتاه قالت وهي تسرح بنظراتها بعيدا

علي العكس فانا اخشي علي الفتاه ان تسقط في فخ الاوهام , بعد ان يتبدد الحب سريعا فيصير كقطرات الندي عندما تتبخر حين تلفحها حرارة الشمس الحارقه لتبقي وحدها تئن وتتعذب , فلا يوجد بنيان من الحب يمكن ان يصمد ان خالطت اساساته ولو قليلا من الشفقه

كان يتوقع اعتراض حاد علي رايه من جانبها لكنها فاجاته بردها الذي احس فيه بنبرة حزن مفاجئه

اعتقد ان عندك بعض الحق

لم يسعده انتصاره في تلك المعركه الجدليه معها , مع هذا التبدل الطارئ الذي كسا ملامحها بطبقة كثيفه من الحزن الشديد وقد بدت نظراتها شارده وكأنها مصوبه لمكان غير مرئي عبر زجاج النافذه المغلقه

هل حمل كلامي ما ضايقك ؟

سالها محاولا معرفة سبب غيوم الحزن تلك التي اعتلت وجهها فجأه

لكنها ظلت علي صمتها وكأنها لم تسمع ما قاله , فاراد ان يعيد السؤال ثانية علي مسامعها ..لكنه لاحظ عبر النافذه بتباطء القطار فآثر الصمت



بدأت تلملم اشيائها فدست الروايه في حقيبتها اليدويه التي كانت بجوارها , ثم انحنت لتلتقط ماسوره معدنيه كان جزئها العلوي مخبئ خلف حقيبه صغيره يبدوا ان فيها باقي اغراضها ..




ليفاجأه ان تلك الماسوره المعدنيه ليست الا عكاز مالبثت ان اتكئت عليه وهي تنهض من مقعدها بصعوبه..

السبت، 9 أغسطس، 2008

الأحد، 3 أغسطس، 2008

نشوة السقوط



الشارع يكاد يخلو من اي دبيب للحياة باستثناء بعض خربشات الأظافر لعدد من القطط والكلاب الضالة التي تأمل ان تجد بين أكياس القمامة ما يمكن ان يسد جوعها , وربما أيضا احد المصلين اللذين لم يأبهوا بهذا الركام من الظلام والصقيع التي خلفته الليلة الماضية وقرروا ان ينالوا ثواب صلاة الفجر في المسجد .


بينما كان عمود النور هذا هو الوحيد الذي ظل يؤدي مهمته عبثا مخلفا بقعة ضوء تكاد ان تذوب في وسط هذا البحر من الظلام .وعلي بعد أمتار قليلة بدا ظل شبحين يتمهلان السير في اتجاه بقعة الضوء التي أحدثها عمود النور بينما تصدر عنهما غلالة من الدخان التي هي مزيج من أنفاسهما المشبعة ببخار الماء ودخان لفافة التبغ الغليظة القوام التي تحتضنها أناملهما .


ثم ما لبث أن اسند احدهما ظهره إلي جذع شجرة ضخمة وقد بدت عيونه زائغة مشتتة كطائر أعياه التحليق طويلا وقد ضل طريقه في يوم عاصف حتى انه لم يلحظ رفيقه وهو يتجه لبقعة الضوء ..

حتي تناهي لسمعه وقع مشادة صاخبة اخترقت حاجز الصمت , لينتبه ان رفيقه يتشاجر مع فتاة يبدو انه حاول مضايقتها وان لم تبدو له ملامحها وقد كان جسد صديقه الضخم حائل يحجب عنه الرؤية مما جعله يقترب لتبين ما حدث ...


مع دخوله مجال الضوء تلتقي أعينهما , تتوقف أنفاسه ومعها يتوقف الزمن , لحظات تبدو له كدهر , إنها هي ..


من عينيها يتدفق شلال من الأسئلة , فيض من المشاعر حملتها نظراتها , مشاعر من اللهفة والشفقة وحتى الرثاء , هاله أن رفيقه يقبض علي معصمها بقوة بينما هي تحاول أن تتظاهر برباطة الجأش وهي تحاول عبثا إفلات يديها ..


صبري ..


صرخ في جزع ..


أجفل رفيقه لصرخته وقد التفت إليه وقد ارتسمت علي قسمات وجهه علامات الدهشة, لتجدها هي فرصة لتحرر يديها من قبضته ثم تتجاوزه وهي تسرع الخطي , لاحقها بنظراته وبينما هي تكاد تبتعد عن بقعة الضوء تخيل إنها قبل تغيب تماما قد شيعته بنظرة تترقرق فيها الدموع ...




يعود إليه رفيقه وقد حملت نظرة عينيه التي صارت أكثر احمرارا تعبير الغضب والارتياب ..


وقبل ان يتفوه باي كلمه يتناهي الي سمعهما فجأة صوت سارينة سيارة الشرطة يدوي من بعيد , يهرعان الاثنان دون ادني تفكير حتى يجدان في مدخل احد الأبنية ملاذ لهم




وما أن يسترد أنفاسه حتى تنتابه حالة من الذهول لما صار له مصيره وقد اصبح عابثا يتسكع في درب الضياع دون هدف او معني لحياته


بينما اخذ شريط الذكريات يدور بسرعة أمام عينيه , مشاهد من حياته تطرق عقله بقوة ...


ولد طيب ...فتي طيب ..شاب طيب


طيب ...


دائما ما تلاحقه هذه العبارة , إحساس بالتوجس أصبح يراوده كلما نعته احدهم بها , فعادة ما يتبعها سلسلة من التنازلات من جانبه , لقد صارت مسوغ لسلسلة من الإساءات من جانب الآخرين عليه إن يزدردها في صمت , يجب دائما ان يتسامح ويغفر كل إساءة يتعرض لها مكتفيا بعبارة أسف كان يوقن أحيانا أن صاحبها كان متعمدا أهانته لكنه رغم ذلك لم يحاول يوما ان يتمرد او يثور ...

لكنها هي من تسبب وجودها في حياته في قلب حياته رأسا علي عقب ...


مع مرور ذكراها علي عقله إذ به يغمض عينيه ويطلق تنهيدة عميقة هو يسترجع أدق تفاصيل ملامحها وذكرياته السعيدة والمؤلمة معها ..

تلك العيون التي أحس أنها تحتويه داخلها عندما اكتشف انه مرت دقيقة كاملة وهو يحدق بها عند أول لقاء جمعه بها عندما جاءت تسأل عن شقيقته وهو الشاب الخجول التي كان مجرد نظرة خاطفة منه لفتاة تجعله يتتصبب عرقا ...
و تلك الملامح الطفولية والروح المرحة التي تتسم بالجرأة الشديدة التي نجحت في اختراق جدار الخجل التي ظل طوال عمره يقف خلفه في تحسر وهو يستشعر مرارة الوحدة وافتقاد الأنيس حتى وهو بين الأخوة والأصدقاء ..

لماذا تنظر لي هكذا

فاجأته عبارتها التي تحمل روحها الجريئة المتحدية , الهروب حينها من نظرات عينيها الجريئه كان هو الحل الوحيد التي قرر اتخاذه , لكنه لم يستطع أبدا إن يهرب من قدره التي كانت هي ابرز سطوره ..

ورغم انه فضل تحاشي وجودها كلما جاءت لزيارة شقيقته , , لكن أفكار كثيرة تتعلق بها ظلت تطارده حتى في أحلامه ,عجيب إن يتعلق قلبك بإنسان تقابله لأول مرة ..

حتى ذلك اليوم الذي فوجئ به بطلب شقيقته إن يرافقها حتى محطة الحافلات نظرا لتأخر الوقت ...

إحاسيس متناقضة تتفاعل داخله , مشاعر تجمع بين السعادة والقلق والاضطراب تتلاطمه...

لكنه كان عليه إن يخوض أولي اختباراته مع عالم المرأة وكانت هي الباب الذي شرع في لحظة قدرية أمامه لتحطيم تلك القيود التي تجعله دائما متوجس من الاقتراب من أي أنثي ..


استضافة الملف بواسطة مركزعين الذيب  لتحميل الصور والملفات
كانت ليلة قمرية ترافقها نسمات صيفية عليلة جعلت خصلات شعرها تتطاير معطية جاذبية أضافية لوجهها , لكن ظل الصمت حاجز يصحبهما في طريقهم ..

لكنها ما لبثت أن قطعت هذا الصمت محاولة منحه موضوع للحديث ..

أنت بتكتب شعر, نورا تقول انك شاعر كبير

كانت كلماتها ترن بروح سخرية محببة هي ابرز سمات شخصيتها المرحة ..

مما جعله يبتسم ابتسامة خجولة , بينما يحاول عبثا البحث عن كلمات ليرد بها لكنه أحس فجأة إن كل مفردات اللغة تبخرت من عقله فاحتمي مرة أخري بالصمت ..

محمود أنت تعرف انك خجول أكثر من اللازم ..

أحس وكأنه يواجه باتهام , فقرر التخلي عن صمته ولكن في محاولته دفع التهمة عن نفسه كان يتلعثم بين كلماته ..

انا ...ابدا ...يمكن ..

هنا انبعثت منها ضحكة عالية لم تستطع قمعها مما ذاد من ارتباكه بل واخرج من جيبه منديلا ليجفف العرق الذي اخذ يتصبب منه , فما كان منها إلا إن أطرقت رأسها في خجل وهي تعتذر ..

أنا آسفة ..

تعددت اللقاءات التي جمعت بينهم ليذوب جدار الجليد الذي ظل دهرا من عمره مسجونا خلفه حيث يضطر لكبت مشاعره مكتفيا بما يجد متنفسا له من خلال سكبه علي الورق في شكل خواطر وأشعار...

لكنه دائما ما كان يعذبه ما يلمسه من تناقض مشاعرها تجاهه...

ففي لحظات تصل به إلي قمة السعادة من خلال دفئ المشاعر التي يحس بها عندما تشعره انه قريب جدا منها ...

بينما في لحظات أخري يشعر بفتور قاتل تجعله يشعر كأنه مجرد إنسان تعرفه قابلته بالمصادفة ...

كان عليه إن يلملم شجاعته لكي يواجهها ولكي يعرف مشاعرها الحقيقية تجاهه , لقد كان ردها هو نقطة التحول في حياته , وطالما ظلت عباراتها ترن في ذاكرته حتى اليوم ..

محمود , أنا لا يمكنني أن أنكر إني أشعر تجاهك بمشاعر جميلة ...أنت إنسان طيب ...وحساس ..
ثم صمتت للحظات ...


لكن .. أنا اشعر إن شخصيتك مهتزة ...لا تستطيع انك تكون حاسم في قراراتك , دائما متردد , أحيانا حتى عندما أكون أنا المخطئة وأتسبب في مضايقتك لا تحاول حتى انك تظهر غضبك مني بل وتقوم بالاعتذار بدلا من إن تعاتبني ..
أنا اعلم إني ربما أكون قاسية في صراحتي لكن ...

كان الذهول هو رد فعله الوحيد , إحساس مرير بعدم التصديق ينكأ روحه بعنف , لم يسمع باقي كلماتها , فقد احس ان غيمه في الدموع قد بدات في التخلق في مقلتيه لكنه لم يكن يريد ان تري دموعه وتشعر بضعفه اكثر وهي لم تنتهي من حديثها الموجع التي تتهمه فيه بالضعف , فانصرف من امامها دون يتفوه بكلمه واحده..





,وظل يسأل نفسه ذات السؤال حتي الآن في معرض اتهامه لها وتبرئتها في نفس الوقت .. هل هي كانت قاسيه في صراحتها لدرجة الفظاظه فتركت داخله جرح عميق جعله كالطائر الجريح يتخبط دون اي هدايه لطريق ؟؟؟ ,, ام انها دون قصد اشعلت جذوة اللهب فكانت الشراره التي ارسلها القدر ليثور علي ضعفه .. فقرر ان يتمرد علي كل شئ في طبيعة محمود القديم .. فجعلته كلماتها لاول مره يكتشف الحقيقه التي ظل طويلا يتهرب من مواجهة نفسه بها ..



إن مشكلته ليس انه إنسان طيب كما كان يبرر لنفسه استكانته وضعفه.. لكن مشكلته انه إنسان ضعيف الشخصية عاجز عن اتخاذ أي قرارات مصيرية في حياته , فهو دائما الفتي المطيع الذي لا يملك حق الاعتراض , فعندما كان صغير كان لا يستطيع إن يظهر حتى الامتعاض تجاه الملابس التي كان والديه يقوموا باختيارها له وان لم تعجبه , ثم عندما كبر رضخ لقرار والده بالالتحاق بكلية التجارة لمساعدته في تجارته عندما يتخرج رغم كرهه الشديد للحساب وولعه بالأدب والشعر.. فكانت طبيعة والده الصارمه الحازمه التي تصل لدرجة التسلط والديكتاتوريه لا يقبل ان يناقشه احدا في قراراته سببا في ضعف شخصيته ومع مرور الوقت صارالآخرون دائما يتخذون القرارات بالنيابة عنه بينما هو يستسلم في خنوع ..



قرر إن يعلن تمرده علي كل شئ , علي حياته ...علي ضعفه ... علي حبه لها ...


لكنه الآن يدرك فقط انه حتى كان ضعيفا في قرار تمرده , فبدلا من إن يجعل من لحظة انكساره وهزيمته سبب قوي ليتحدي الحياة ليجعل من نفسه شخص جدير بالاحترام , ترك نفسه يهوي في مستنقع الحياة , لقد بدأ بتدمير نفسه دون إن يدري فبينما كان يسقط كانت لذة النشوة الزائفة تعطيه إحساس انه تحرر من كل قيوده التي كانت تكبله , فكان اشبه بفرخ طائر صغير تصور في قدرته علي الطيران وهو يقفز من قمة الجبل وقد جعلته النشوة التي تصاحب رحلة السقوط يتخيل انه يحلق بينما كان في الحقيقه يهوي رافضا اي تنبيه يواجهه بتلك الحقيقه ...


فعندما قابلها مصادفة بعد ذلك وحاولت أن تعتذر له وفي كلمات اقرب للرجاء اعترفت له إنها تحبه وأنها تشعر بالندم عن الجرح التي تسبب فيه حديثها الأخير معه وانها كانت تتصور ان كلماتها ستساعده ان يتغلب علي ضعفه وان يتعامل مع الحياه بجرأه اكبر وأنها تتمني إن يعود محمود ذلك الشخص الذي أحبته وأدركت بعد رحيله بمدي افتقاده في حياتها ..


لكنه يصيح في وجهها ويعلن لها انه أصبح يكرهها ... انه أصبح يكرهها بنفس القدر الذي كان يحبها به , كان انفعاله لحظة من لحظات الجنون او ربما الهذيان الذي صار رفيقه في دربه ...درب الانحدار الي الهاوية ...


انتبه محمود علي احتراق في قبضة يده من اثر انقباض يده بحركة لإرادية علي لفاقة التبغ نتيجة انفعاله الناتج عن استحضار تلك الذكريات الأليمة أمامه ...

استضافة الملف بواسطة مركزعين الذيب  لتحميل الصور والملفات

حينئذ نظر محمود للأفق كان ضوء الشمس قد بدأ يكتسح ركام الظلام والبرد التي خلفته الليلة الماضية , كان إحساسه بشروق الشمس هذا الصباح مختلفا تماما , كان يشعر إن شعاعها الدافئ يغسل روحه , تولدت لديه رغبة عارمة إن يبكي مثلما لم يبكي من قبل ...


ثم ما لبث إن نهض متخذا طريقه مبتعدا بينما تطارده صيحات صديقه تطلب منه التمهل لكي ينتظره ..
لكنه يواصل طريقه دون إن يلتفت للوراء ...

users online