صرخ في جزع ..
أجفل رفيقه لصرخته وقد التفت إليه وقد ارتسمت علي قسمات وجهه علامات الدهشة, لتجدها هي فرصة لتحرر يديها من قبضته ثم تتجاوزه وهي تسرع الخطي , لاحقها بنظراته وبينما هي تكاد تبتعد عن بقعة الضوء تخيل إنها قبل تغيب تماما قد شيعته بنظرة تترقرق فيها الدموع ...

يعود إليه رفيقه وقد حملت نظرة عينيه التي صارت أكثر احمرارا تعبير الغضب والارتياب ..
وقبل ان يتفوه باي كلمه يتناهي الي سمعهما فجأة صوت سارينة سيارة الشرطة يدوي من بعيد , يهرعان الاثنان دون ادني تفكير حتى يجدان في مدخل احد الأبنية ملاذ لهم

وما أن يسترد أنفاسه حتى تنتابه حالة من الذهول لما صار له مصيره وقد اصبح عابثا يتسكع في درب الضياع دون هدف او معني لحياته
بينما اخذ شريط الذكريات يدور بسرعة أمام عينيه , مشاهد من حياته تطرق عقله بقوة ...
ولد طيب ...فتي طيب ..شاب طيب
طيب ...
دائما ما تلاحقه هذه العبارة , إحساس بالتوجس أصبح يراوده كلما نعته احدهم بها , فعادة ما يتبعها سلسلة من التنازلات من جانبه , لقد صارت مسوغ لسلسلة من الإساءات من جانب الآخرين عليه إن يزدردها في صمت , يجب دائما ان يتسامح ويغفر كل إساءة يتعرض لها مكتفيا بعبارة أسف كان يوقن أحيانا أن صاحبها كان متعمدا أهانته لكنه رغم ذلك لم يحاول يوما ان يتمرد او يثور ...
لكنها هي من تسبب وجودها في حياته في قلب حياته رأسا علي عقب ...
مع مرور ذكراها علي عقله إذ به يغمض عينيه ويطلق تنهيدة عميقة هو يسترجع أدق تفاصيل ملامحها وذكرياته السعيدة والمؤلمة معها ..
تلك العيون التي أحس أنها تحتويه داخلها عندما اكتشف انه مرت دقيقة كاملة وهو يحدق بها عند أول لقاء جمعه بها عندما جاءت تسأل عن شقيقته وهو الشاب الخجول التي كان مجرد نظرة خاطفة منه لفتاة تجعله يتتصبب عرقا ...
و تلك الملامح الطفولية والروح المرحة التي تتسم بالجرأة الشديدة التي نجحت في اختراق جدار الخجل التي ظل طوال عمره يقف خلفه في تحسر وهو يستشعر مرارة الوحدة وافتقاد الأنيس حتى وهو بين الأخوة والأصدقاء ..
لماذا تنظر لي هكذا
فاجأته عبارتها التي تحمل روحها الجريئة المتحدية , الهروب حينها من نظرات عينيها الجريئه كان هو الحل الوحيد التي قرر اتخاذه , لكنه لم يستطع أبدا إن يهرب من قدره التي كانت هي ابرز سطوره ..
ورغم انه فضل تحاشي وجودها كلما جاءت لزيارة شقيقته , , لكن أفكار كثيرة تتعلق بها ظلت تطارده حتى في أحلامه ,عجيب إن يتعلق قلبك بإنسان تقابله لأول مرة ..
حتى ذلك اليوم الذي فوجئ به بطلب شقيقته إن يرافقها حتى محطة الحافلات نظرا لتأخر الوقت ...
إحاسيس متناقضة تتفاعل داخله , مشاعر تجمع بين السعادة والقلق والاضطراب تتلاطمه...
لكنه كان عليه إن يخوض أولي اختباراته مع عالم المرأة وكانت هي الباب الذي شرع في لحظة قدرية أمامه لتحطيم تلك القيود التي تجعله دائما متوجس من الاقتراب من أي أنثي ..

كانت ليلة قمرية ترافقها نسمات صيفية عليلة جعلت خصلات شعرها تتطاير معطية جاذبية أضافية لوجهها , لكن ظل الصمت حاجز يصحبهما في طريقهم ..
لكنها ما لبثت أن قطعت هذا الصمت محاولة منحه موضوع للحديث ..
أنت بتكتب شعر, نورا تقول انك شاعر كبير
كانت كلماتها ترن بروح سخرية محببة هي ابرز سمات شخصيتها المرحة ..
مما جعله يبتسم ابتسامة خجولة , بينما يحاول عبثا البحث عن كلمات ليرد بها لكنه أحس فجأة إن كل مفردات اللغة تبخرت من عقله فاحتمي مرة أخري بالصمت ..
محمود أنت تعرف انك خجول أكثر من اللازم ..
أحس وكأنه يواجه باتهام , فقرر التخلي عن صمته ولكن في محاولته دفع التهمة عن نفسه كان يتلعثم بين كلماته ..
انا ...ابدا ...يمكن ..
هنا انبعثت منها ضحكة عالية لم تستطع قمعها مما ذاد من ارتباكه بل واخرج من جيبه منديلا ليجفف العرق الذي اخذ يتصبب منه , فما كان منها إلا إن أطرقت رأسها في خجل وهي تعتذر ..
أنا آسفة ..
تعددت اللقاءات التي جمعت بينهم ليذوب جدار الجليد الذي ظل دهرا من عمره مسجونا خلفه حيث يضطر لكبت مشاعره مكتفيا بما يجد متنفسا له من خلال سكبه علي الورق في شكل خواطر وأشعار...
لكنه دائما ما كان يعذبه ما يلمسه من تناقض مشاعرها تجاهه...
ففي لحظات تصل به إلي قمة السعادة من خلال دفئ المشاعر التي يحس بها عندما تشعره انه قريب جدا منها ...
بينما في لحظات أخري يشعر بفتور قاتل تجعله يشعر كأنه مجرد إنسان تعرفه قابلته بالمصادفة ...
كان عليه إن يلملم شجاعته لكي يواجهها ولكي يعرف مشاعرها الحقيقية تجاهه , لقد كان ردها هو نقطة التحول في حياته , وطالما ظلت عباراتها ترن في ذاكرته حتى اليوم ..
محمود , أنا لا يمكنني أن أنكر إني أشعر تجاهك بمشاعر جميلة ...أنت إنسان طيب ...وحساس ..
ثم صمتت للحظات ...
لكن .. أنا اشعر إن شخصيتك مهتزة ...لا تستطيع انك تكون حاسم في قراراتك , دائما متردد , أحيانا حتى عندما أكون أنا المخطئة وأتسبب في مضايقتك لا تحاول حتى انك تظهر غضبك مني بل وتقوم بالاعتذار بدلا من إن تعاتبني ..
أنا اعلم إني ربما أكون قاسية في صراحتي لكن ...
كان الذهول هو رد فعله الوحيد , إحساس مرير بعدم التصديق ينكأ روحه بعنف , لم يسمع باقي كلماتها , فقد احس ان غيمه في الدموع قد بدات في التخلق في مقلتيه لكنه لم يكن يريد ان تري دموعه وتشعر بضعفه اكثر وهي لم تنتهي من حديثها الموجع التي تتهمه فيه بالضعف , فانصرف من امامها دون يتفوه بكلمه واحده..

,وظل يسأل نفسه ذات السؤال حتي الآن في معرض اتهامه لها وتبرئتها في نفس الوقت .. هل هي كانت قاسيه في صراحتها لدرجة الفظاظه فتركت داخله جرح عميق جعله كالطائر الجريح يتخبط دون اي هدايه لطريق ؟؟؟ ,, ام انها دون قصد اشعلت جذوة اللهب فكانت الشراره التي ارسلها القدر ليثور علي ضعفه .. فقرر ان يتمرد علي كل شئ في طبيعة محمود القديم .. فجعلته كلماتها لاول مره يكتشف الحقيقه التي ظل طويلا يتهرب من مواجهة نفسه بها ..
إن مشكلته ليس انه إنسان طيب كما كان يبرر لنفسه استكانته وضعفه.. لكن مشكلته انه إنسان ضعيف الشخصية عاجز عن اتخاذ أي قرارات مصيرية في حياته , فهو دائما الفتي المطيع الذي لا يملك حق الاعتراض , فعندما كان صغير كان لا يستطيع إن يظهر حتى الامتعاض تجاه الملابس التي كان والديه يقوموا باختيارها له وان لم تعجبه , ثم عندما كبر رضخ لقرار والده بالالتحاق بكلية التجارة لمساعدته في تجارته عندما يتخرج رغم كرهه الشديد للحساب وولعه بالأدب والشعر.. فكانت طبيعة والده الصارمه الحازمه التي تصل لدرجة التسلط والديكتاتوريه لا يقبل ان يناقشه احدا في قراراته سببا في ضعف شخصيته ومع مرور الوقت صارالآخرون دائما يتخذون القرارات بالنيابة عنه بينما هو يستسلم في خنوع ..
قرر إن يعلن تمرده علي كل شئ , علي حياته ...علي ضعفه ... علي حبه لها ...
لكنه الآن يدرك فقط انه حتى كان ضعيفا في قرار تمرده , فبدلا من إن يجعل من لحظة انكساره وهزيمته سبب قوي ليتحدي الحياة ليجعل من نفسه شخص جدير بالاحترام , ترك نفسه يهوي في مستنقع الحياة , لقد بدأ بتدمير نفسه دون إن يدري فبينما كان يسقط كانت لذة النشوة الزائفة تعطيه إحساس انه تحرر من كل قيوده التي كانت تكبله , فكان اشبه بفرخ طائر صغير تصور في قدرته علي الطيران وهو يقفز من قمة الجبل وقد جعلته النشوة التي تصاحب رحلة السقوط يتخيل انه يحلق بينما كان في الحقيقه يهوي رافضا اي تنبيه يواجهه بتلك الحقيقه ...
فعندما قابلها مصادفة بعد ذلك وحاولت أن تعتذر له وفي كلمات اقرب للرجاء اعترفت له إنها تحبه وأنها تشعر بالندم عن الجرح التي تسبب فيه حديثها الأخير معه وانها كانت تتصور ان كلماتها ستساعده ان يتغلب علي ضعفه وان يتعامل مع الحياه بجرأه اكبر وأنها تتمني إن يعود محمود ذلك الشخص الذي أحبته وأدركت بعد رحيله بمدي افتقاده في حياتها ..
لكنه يصيح في وجهها ويعلن لها انه أصبح يكرهها ... انه أصبح يكرهها بنفس القدر الذي كان يحبها به , كان انفعاله لحظة من لحظات الجنون او ربما الهذيان الذي صار رفيقه في دربه ...درب الانحدار الي الهاوية ...
انتبه محمود علي احتراق في قبضة يده من اثر انقباض يده بحركة لإرادية علي لفاقة التبغ نتيجة انفعاله الناتج عن استحضار تلك الذكريات الأليمة أمامه ...

حينئذ نظر محمود للأفق كان ضوء الشمس قد بدأ يكتسح ركام الظلام والبرد التي خلفته الليلة الماضية , كان إحساسه بشروق الشمس هذا الصباح مختلفا تماما , كان يشعر إن شعاعها الدافئ يغسل روحه , تولدت لديه رغبة عارمة إن يبكي مثلما لم يبكي من قبل ...
ثم ما لبث إن نهض متخذا طريقه مبتعدا بينما تطارده صيحات صديقه تطلب منه التمهل لكي ينتظره ..
لكنه يواصل طريقه دون إن يلتفت للوراء ...